لا بد منها

توسط: موسوی

وقد عرفت المرأة بالکید بین الجاهلیین، ونظروا إلیها نظرتهم إلى الشیطان ولیست هذه النظرة العربیة إلى المرأة هی نظرة خاصة بالجاهلیین، بل هی نظرة عامة نجدها عند غیرهم أیضًا. بل هی وجهة نظر الرجل بالنسبة للمرأة فی کل العالم فی ذلک الوقت. وهی نظرة نجدها عند الحضر بدرجة خاصة، لما لمحیط الحضر من خصائص التجمع والتکتل، والتصاق البیوت بعضها ببعض، ولما لهم من حیاة اجتماعیة واقتصادیة وسیاسیة، وقد تجبر المرأة على دس أنفها، والاتصال بالغرباء، فنشأ من ثم هذا الرأی بین أهل الحضر أکثر من الأعراب.
وعرفت المرأة عندهم بالمکر والخدیعة. إذ کان فی وسعها استدراج الرجل والمکر به. وهم یتمثلون بمکر “الزبّاء”. واستدراجها “جذیمة الأبرش” إلیها، ثم فتکها به. على نحو ما ورد من قصص عنها فی کتب أهل الأخبار. غیر أنهم یروون فی الوقت نفسه قصة “قصیر” معها، وکیف تمکن من الأخذ بثأره منها، فی حیلة ومکر ومکیدة، حتى فتک بها فی قصة من قصص المکر والخدیعة، ضرب بها المثل. وعُدَّت المرأة کالحیّة فی المکر.
ونظر الرجل إلى رأی المرأة على أن فیه وهنًا وضعفًا وأنه دون رأیه بکثیر، وتصور أن مقاییس الحکم عندها، دون مقاییسه فی الدقة والضبط، ولهذا رأى العرب أن من الحمق الأخذ برأی المرأة. فکانوا إذا أرادوا ضرب المثل بضعف رأی وخطله قالوا عنه: “رأی النساء” و “رأی نساء” وقالوا: شاوروهن وخالفوهن، لما عرف عن المرأة من تأثر بأحکام العاطفة عندها. حتى ذهب البعض إلى عدم وجود رأی للمرأة، ولهذا قالوا: یقال للرجل “الفند” إذا خرف وخف عقله لهرم أو مرض، وقد یستعمل فی غیر الکبر وأصله فی الکبر. ولا یقال “عجوز مفندة، لأنها لم تکن فی شبیبتها ذات رأی أبدًا فتفند فی کبرها. وفی الکشاف: ولذا لم یقل للمرأة مفندة لأنها لا رأی لها حتى یضعف. قال شیخنا: ولا وجه لقول السمین إنه غریب، فإنه منقول عن أهل اللغة. ثم قال: ولعل وجهه أنّ لها عقلًا وإن کان ناقصًا یشتد نقصه بکبر السن”.

جواد علی، المفصل فی تاریخ العرب