مقاصد الصوفیة

توسط: موسوی

قلت : للصوفیة مقصدان ، أحدهما مقدمة الأخرى .

الأول : تهذیب النفس ، وتصفیتها عن الکدورات والظلمات ، وتخلیتها عن الرذائل والصفات القبیحة ، وحفظها عما یظلمها ویفرقها ویقسیها ، وتحلیتها بالأوصاف الجمیلة ، والکمالات المعنویة ، وهذا یحتاج إلى معرفة النفس والقلب إجمالا ، ومعرفة الصفات الحسنة والقبیحة ، ومبادئها وآثارها ، وما به یتوسل إلى التطهیر والتزکیة ، والتنویر والتحلیة .

وهذا مقصد عظیم یشارکهم أهل الشرع ، وکافة العلماء على اختلاف مشاربهم وآرائهم ، وکیف لا یشارکون فیما وضعت العبادات والآداب لأجله ، وبعث الأنبیاء لإکماله … وللقوم فی هذا المقصد العظیم کتب ومؤلفات فیها مطالب حسنة نافعة ، وإن أدرجوا فیها من الأکاذیب والبدع خصوصا بعض الریاضات المحرمة ما لا یحصى ، ومن هنا فارقوا أهل الشرع المتمسکین بالکتاب والسنة ، والمتشبثین بأذیال سادات الأمة ، فحصول هذا المقصد عندهم منحصر بالعمل ، بتمام ما قرروه لهم ، والاجتناب عما نهوا عنه ، دون ما أبدعوه فی هذا المقام من الریاضات ، ومتابعة الشیخ والمرشد على النحو الذی عندهم ، وهذا هو مراد الشهید قدس سره فی الدروس ، فی بحث المکاسب ، حیث قال : وتحرم الکهانة – إلى أن قال – وتصفیة النفس ، أی بالطرق الغیر الشرعیة .

الثانی : ما یدعون من نتیجة تهذیب النفس ، وثمرة الریاضات من المعرفة وفوقها ، من الوصول والاتحاد والفناء ، ومقامات لم یدعیها نبی من الأنبیاء ووصی من الأوصیاء ، فکیف بأتباعهم من أهل العلم والتقى ! مع ما فیها مما لا یلیق نسبته إلى مقدس حضرته جل وعلا ، ویجب تنزیهه عنه سبحانه وتعالى عما یقوله الظالمون .

وأما المقصد الثانی فحاشا أهل الشرع والدین ، فضلا عن العلماء الراسخین ، أن یمیلوا إلیه أو یأملونه ، أو یتفوهون به ، وأغلب ما ورد فی ذم الجماعة ناظر إلى هذه الدعوى ومدعیها .

وأما الأول فقد عرفت مشارکتهم فیه ، وإن فارقوا القوم فی بعض الطرق ، وحیث أنهم بلغوا الغایة فیما ألقوه فی هذا المقام ، والحکمة ضالة المؤمن حیث وجدها أخذها ، ترى مشایخنا العظام ، والفقهاء الکرام کثیرا ما یراجعون إلیه ، وینقلون عنه ، ویشهدون بحقیته ، ویأمرون بالأخذ به ، فصار ذلک سببا للطعن علیهم ، ونسبتهم إلى الصوفیة ، أو میلهم إلى المتصوفة ، ظنا منهم الملازمة بین المقصدین ، وإن من یحض على تهذیب النفس ، وتطهیر القلب ، ویستشهد فی بعض المقامات ، أو تفسیر بعض الآیات بکلمات بعضهم ، مما یؤیده أخبار کثیرة ، فهو منهم ومعهم فی جمیع دعاویهم . وهذا من قصور الباع ، وجمود النظر ، وقلة التدبر فی مزایا الکتاب والسنة .

وآل أمرهم إلى أن نسبوا مثل الشیخ الجلیل ، ترجمان المفسرین أبی الفتوح الرازی ، وصاحب الکرامات علی بن طاووس ، وشیخ الفقهاء الشهید الثانی – قدس الله أرواحهم – إلى المیل إلى التصوف کما رأیناه ، وهذه رزیة جلیلة ، ومصیبة عظیمة لا بد من الاسترجاع عندها .

نعم یمکن أن یقال لهم تأدبا لا إیرادا ، إن فیما ورد عن أهل بیت العصمة سلام الله علیهم غنى ومندوحة عن الرجوع إلى زبرهم وملفقاتهم ومواعظهم ، فإنک إن غمرت فی تیار بحار الاخبار ، لا تجد حقا صدر منهم إلا وفیها ما یشیر إلیه ، بل رأینا کثیرا من الکلمات التی تنسب إلیهم ، هی مما سرقوها من معادن الحکمة ، ونسبوها إلى أنفسهم ، أو مشایخهم . قال تلمیذ المفید قدس سره ، أبو یعلى الجعفری ، فی أول کتاب النزهة : إن عبد الملک بن مروان کتب إلى الحجاج : إذا سمعت کلمة حکمة فاعزها إلى أمیر المؤمنین – یعنی نفسه – فإنه أحق بها ، وأولى من قائلها ، انتهى . 

ولولا خوف الإطالة لذکرت شطرا من هذا الباب ، بل قد ورد النهی عن الاستعانة بهم . فروى سبط الطبرسی فی مشکاة الأنوار ، عن الباقر علیه السلام أنه قال لجابر : « یا جابر ولا تستعن بعدو لنا [ فی ] حاجة ، ولا تستطعمه ، ولا تسأله شربة ، أما إنه لیخلد فی النار ، فیمر به المؤمن ، فیقول : یا مؤمن ألست فعلت بک کذا وکذا ؟ فیستحیی منه ، فیستنقذه من النار . »

هذا حال طعام الأجساد ، فکیف بقوت الأرواح ؟

میرزا حسین نوری ( م ۱۳۲۰ هـ )، مستدرک الوسائل